صديق الحسيني القنوجي البخاري
209
أبجد العلوم
مطلب « 1 » : في أن الشعر لا يختص باللسان العربي فقط « اعلم أن الشعر لا يختص باللسان العربي فقط ، بل هو موجود في كل لغة ، سواء كانت عربية أو عجمية . وقد كان في الفرس شعراء ، وفي يونان كذلك ، وذكر منهم أرسطو في كتاب ( المنطق ) أوميروس الشاعر وأثنى عليه . وكان في حمير أيضا شعراء متقدمون . ولما فسد لسان مضر ولغتهم دونت مقاييسها وقوانين إعرابها ، وفسدت اللغات من بعد بحسب ما خالطها ومازجها من العجمة ، فكانت لجيل العرب بأنفسهم لغة خالفت لغة سلفهم من مضر في الإعراب جملة ، وفي كثير من الموضوعات اللغوية وبناء الكلمات . وكذلك الحضر أهل الأمصار نشأت فيهم لغة أخرى خالفت لسان مضر في الإعراب وأكثر الأوضاع والتصاريف ، وخالفت أيضا لغة الجيل من العرب لهذا العهد . واختلفت هي في نفسها بحسب اصطلاحات أهل الآفاق ، فلأهل المشرق وأمصاره لغة غير لغة أهل المغرب وأمصاره ، وتخالفهما أيضا لغة أهل الأندلس وأمصاره . ثم لما كان الشعر موجودا بالطبع في أهل كل لسان ، لأن الموازين على نسبة واحدة في أعداد المتحركات والسواكن وتقابلها موجودة في طباع البشر ، فلم يهجر الشعر بفقدان لغة واحدة وهي لغة مضر الذين كانوا فحوله وفرسان ميدانه ، حسبما اشتهر بين أهل الخليقة . بل كل جيل وأهل كل لغة من العرب المستعجمين والحضر أهل الأمصار يتعاطون منه ما يطاوعهم في انتحاله ووصف بنائه على مهيع كلامهم . فأما العرب أهل هذا الجيل المستعجمون عن لغة سلفهم من مضر فيقرضون الشعر لهذا العهد في سائر الأعاريض على ما كان عليه سلفهم المستعربون ، ويتأتون منه بالمطولات مشتملة على مذاهب الشعر وأغراضه من النسيب ، والمدح ، والرثاء ، والهجاء ، ويستطردون في الخروج من فن إلى فن في الكلام . وربما هجموا على المقصود لأول كلامهم . وأكثر ابتدائهم في قصائدهم باسم الشاعر ثم بعد ذلك ينسبون . فأهل أمصار المغرب من العرب يسمّون هذه القصائد بالأصمعيات نسبة إلى الأصمعي راوية العرب في أشعارهم . وأهل المشرق من العرب يسمون هذا النوع من الشعر بالبدوي ، وربما يلحنون فيه ألحانا بسيطة لا على طريقة الصناعة الموسيقية ، ثم يغنون به ويسمون الغناء به باسم الحوراني نسبة إلى حوران من أطراف العراق والشام ، وهي من منازل العرب البادية ، ومساكنهم إلى هذا العهد .
--> ( 1 ) انظر الفصل الستين من مقدمة ابن خلدون ( ص 675 ) بعنوان : « في أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد » .